موضوعات عامة

ماذا بعد فراق الأجساد وتطاير الصفحات؟

في كل مرة ينتاب الناس شعور بالصدمة للوهلة الأولى ، البعض تدفعه مسلماته بقول لا حول ولا قوة إلا بالله وإنا إليه وإنا إليه راجعون ، حينما يسمع خبراً عن وفاة شخص ما ، تتدرج تلك الصدمة حسب قرب الشخص منا وحسب تأثيره في حياتنا ، نجد البعض له تأثير حتى على تغيير سلوكياتنا والبعض الآخر نتابعه عن بعد لنأخذ مظهره ونبتعد عن جوهره والبعض الآخر نأخذ الجوهر ولا يهمنا المظهر والبعض يهمنا المظهر والجوهر معاً وهذه سياسة نتبعها في متابعة النجوم.

لست أقصد بالنجوم تلك التي نراها في السماء ، وليست النجوم التي تملأ الفضائيات أو الألبومات والحفلات فقد يكون نجمي المفضل ذلك الفقير الذي كان مظهره لا يليق بعبارة قالها حينما أردت تصويره : لا أريدك تعرض صورتي للآخرين بأنني فقير ورث الثياب ولكنني قادر على تغيير الكثيرين من حولي أنا هنا لأقول تلك الكلمات.

مظهر ولكن ؟!

أذكر تلك اللحظة التي أعلن بها خبر عاجل عن وفاة ديانا في حادث سير ، البعض أخذ بالرحمة عليها باعتقاد أن هذا صحيح لأن الرحمة للجميع سواء كان مسلماً أم غير مسلم ، هؤلاء كانوا يهتمون بالمظهر لا الجوهر فسألتهم بعد وفاتها ماذا استفدتم غير البكاء والترحم ومعرفة أزياءها ؟ فقالوا: لا نعلم فكرها ولا أقوالها ونكتفي بالصورة التي وصلت لنا ، المهم نهديها وروداً ، سألتهم : قد تذبل الورود يوماً و تنسون من أهديت له .

في لحظة أخرى جاءت لي لحظات رحيل قادة كانوا من بيننا الشيخ جابر – أمير الكويت الراحل ، الشيخ زايد – رئيس الإمارات السابق، الشيخ عيسى أمير البحرين السابق – وتساءلت ماذا تركوا؟

لقد تركوا صروحاً من المعرفة ولدها احتكاكهم مع الشعب ، قابلت أكثر من رئيس دولة أثناء حياتهم ، ولا أذكر أنني أعرف ماكانوا يلبسون بقدر ما كانت لكلماتهم وقع في نفسي .. أخذ أحدهم يسلم على المارة جميعاً ، لا يفرق بين مواطن وأجنبي الكل هنا سواسية في الإحترام ، ومر على رحيله أكثر من سنة ولا زال هذا الموقف باق بين ذهني ، ترى ماذا تركوا لنا بعد فراق الأجساد؟ ، إنها روح التعامل التي قد نورثها للأجيال اللاحقة.

تشافيز خلال لقاء معه ، لبس بدلته العسكرية الخضراء و أستعديت لتصويره في لقطة فوتوغرافية طلبني وقال : أنت تعرف من تصور ولكن لا أعرفك؟ قالها بمزح وابتسامة – فجئت إليه وعرفته بأسمي فقال :الآن عرفتك ولك أن تصورني وتصور معي إن أردت ذلك ، وفعلاً صورته بعدة صور شخصية ثم أخذت صورة ثنائية معه في تلك اللحظة قبل بدأ برنامج مباشر مع ، كان ذلك في عام ٢٠٠٩.

الرئيس التركي عبدالله غل في أحدى الزيارات كسر حاجز البروتوكول بالسلام على من يقومون بتأمين المكان وابتسامة بسيطة ،كذلك فعل أحمد داود أغلو حينما التقيته طلب مني أن أسأله بالعربية لأنها لغة يفهمها وجاوبني بالأنجليزية حتى يجيد الرد بالمصطلحات والأمور التي سألته عنها.

المظاهر خداعة !

أعلم أن تلك المواقف بسيطة وعفوية وسريعة ولم تكن في الحسبان ولكن تترك أثراً ننقله لمن حولنا أنه مهما كنت نجماً أو قائداً أو ملهماً أو شخصاً بسيطاً قد لا يكون له بريق وصيت في مجتمعه ، الأمهم فإن لتلك اللحظات البسيطة التي نلتقي بها معهم وقع في نفوس من حولك فأهتم بها.

يأتي ذلك النجم المغني فلان الفلاني تتعالى أصوات الترحيب به وحينما يعود لحياته الإجتماعية نجده فاشل كل الفشل تحيط حوله الكثير من المشكلات فبعضهم يواجه مشكلات زوجية تتسبب بفراق نجمة أخرى أحبها ولم تقدر على موازنة حياتها بحياته ، أو هو لم يوازن حياته بحياتها ، ستجد بعضهم ماتوا بسبب جرعة زائدة والآخرين تجدهم جوهراً وحينما تتخاطب معهم تجد أقذر الكلمات أو التصرفات الغير منطقية ، وقليل ما هم من يقدموا فناً مؤثراً وراقياً جوهراً ومضموناً من جانب ، وحياة يشهد لها الجميع بحسن التعامل مع الآخرين.

أتذكر حينما قالوا لك فلان رحل ورحلت معه كل شقاوته ، يا ترى كم منهم يعيشون لحظات العمر الأخيرة الآن ، تلعنهم الألسنة والقلوب ، قبل رحيلهم وبعد رحيلهم ، وآخرون تأبطوا شراً فأردى بهم الحال أن يكونوا نزلاء قبر يجهله الجميع ويعرفه الخالق سبحانه وتعالى ، أهكذا ترحل الأجساد وتبقى أجساد أخرى تتذكر رحيلهم المرير سنين وسنين لا تذكرهم إلا بسوء ولا تجلي من فعل الخيرات بحياتهم شيئاً يذكر ، ستسألني أتقصد القذافي؟ بشار الأسد؟ شارون؟ …. عدد الأسماء ليس المقصد المثال وإنما المعنى يا قارئ السطور.

تأتي لحظات أخرى من الرحيل ، لحظات فراق العلماء ، تقف الأمة عاجزة عن ذكر فضائلها فيقف المتذكر لحالهم أمام أصناف من الكتب والمؤلفات التي كانت ولا زالت باقية من آلاف السنين بعضهم دون أعظم الكتب على وجه الأرض والآخر أحيا اللغة العربية في نفوسنا وشكلها ووظب مفرداتها لتصل لنا بالشكل الذي نراه الآن ، ترى من سطر لنا أشكالهم؟ قليل ولكن من سطر أخلاقهم ؟ الكثير .. وهم سطروا عن أنفسهم فكر باق إلى مشيئة الله سبحانه.

النهاية أم البداية

أقف بعيداً عن لحظات الرحيل لأقول لك بهمسة في أحدى أذنيك إن كنت قادراً على سماع صوت تلك السطور ، ماذا بعد فراق أجسادنا؟ كيف سيتذكرنا الناس هل بعلم باق نورثه لمن بعدنا ؟ أم بخلق ننفرد به فيبقى أثره للأجيال الحالية واللاحقة؟ كيف ستكون نجماً والنجومية لا تقتضي أن تسلط أضواء الإعلام عليك فحسب ، وإنما صناعة النجومية بحد ذاتها تتطلب بعضاً من الوقت ، أنتظر تلك اللحظة بعدما تؤمن من داخلك بها وستجد أنك وصلت لما أتحدث عنه .. فيا ترى ماذا بعد فراق الأجساد؟ صدقة جارية وولد صالح يدعو له وعلم ينتفع به.

وماذا عن تطاير الصفحات ؟ نعم ستجدون بعد برهة من الزمن أن الصفحات تتطاير ولن تقلب أسماء الكثيرين ممن خلدتهم الأرض على متنها ولم يخلدهم التاريخ ولا قول الناس عنهم فتتطاير الصفحات عن ذكرهم هكذا هم أرادوا أن تكون لحياتهم نهاية ، فماذا تقرر أن تكون نهايتك ، هي اختيارك.

Ammar Mohammed

عمار محمد ، مستشار ومدرب بالتسويق الرقمي ، يعتبر الإعلام هوايته،تخصصه وعمله ، مترجم بموقع تويتر ومن أوائل المبادرين في تأسيس مبادرة تغريدات #socialmedia Expert / Speaker / writer / Consultant / Trainer / #twitter translator

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. اصبت عين الحقيقة في كل ما كتبته..هي اسئلة لابد من ان نطرحها على انفسنا دائما :ماذا اضفنا لهذا العالم؟ وكيف السبيل الى ان نكون مفيدين؟ وبماذا سيتذكرنا الناس بعد رحيلنا؟…مشكر اخي وارجو لك مزيدا من التألق والنجاح بإذن الله

اترك رد

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.